Menu

الذكرى ال (24) لاستشهاد أبو علي مصطفى: تجربته النضالية ثروة فكرية يسترشد بها لإدامة الكفاح حتى التحرير

عليان عليان

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1547)

الكتابة عن الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى في ذكرى استشهاده مهمة شاقة بحكم تعدد مفاتيح شخصيته السياسية والفكرية والتنظيمية والعسكرية والإنسانية، وبحكم مناقبه الشخصية الغنية ، وبحكم أنه كان قائداً استثنائياً في كافة المراحل منذ اعتقاله عام 1957 لمدة خمس سنوات في معتقل الجفر الصحراوي ، مروراً بدوره القيادي في التحضير للكفاح المسلح قبل نكسة 1967، مروراً بدوره القيادي المركزي كنائب للأمين العام للجبهة الشعبية على مدى ثلاثة عقود، وصولاً لدوره القيادي الرئيس كأمين عام للجبهة الشعبية بعد استقالة الحكيم الدكتور جورج حبش ، من موقع الأمانة العامة للجبهة عام 2000 ،حيث لعب بشخصيته الهادئة والمتزنة، دور البلدوزر عل الصعد السياسية والكفاحية والتنظيمية والفكرية وعلى صعيد الوحدة الوطنية والعلاقات مع قوى التحرر في لبنان والوطن العربي.

دوره في إعادة بناء التنظيم وتفعيل الانتفاضة
 وأخيراً دوره الريادي والقيادي في إعادة بناء التنظيم في الضفة الغربية ، تنفيذاً لقرار اللجنة المركزية للجبهة ، ودوره الرائد في قيادة انتفاضة الأقصى بتنسيق عال مع أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي بعد رفعه شعاره التاريخي " عدت لأقاوم" ، ما قض مضاجع العدو وهو يراه دائم الحركة من أقصى شمال الضفة إلى أقصى جنوبها ، في إطار عمله التنظيمي والتعبوي والكفاحي لتفعيل الانتفاضة، في إطار الجمع بين البعد الجماهيري والبعد العسكري بعد أن باشر العدو بإطلاق النار على جماهير الانتفاضة .وهذا الدور الاستثنائي الكفاحي ، جعله المطلوب الأول من القيادات الفلسطينية للاغتيال على يد الاحتلال ، وكان قد تنبأ بذلك قبل استشهاده ، عندما قال قبل ساعتين من استشهاده "شارون يُريد اصطيادي ولكن، كيف ومتى؟ لا أدري!".

 

قائد استثنائي
في ذكرى استشهاده لا نبالغ إذ نقول : إن "أبو علي مصطفى" هو من أهم قيادات العمل الوطني الفلسطيني ، الذي سيظل اسمه خالداً في سفر الثورة الفلسطينية والكفاح من أجل تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني ، والذي تنطبق عليه كافة السمات القيادية والنضالية منذ انتسابه لحركة القوميين العرب في خمسينيات القرن الماضي، وهو في ريعان شبابه (17) عاماً، ومنذ دخوله المبكر في تجربة الاعتقال في معتقل الجفر الصحراوي ( 1957- 1962) وتبوأه بعد ذلك قيادة منطقة الشمال للحركة في الضفة الغربية ، ودوره في بناء الركائز العسكرية الفدائية الأولى للحركة عبر منظمتي " شباب الثأر" و "أبطال العودة" ، بعد أن استجابت قيادة الحركة لطلب الفرع الفلسطيني فيها بشأن التحضير للكفاح المسلح، ومن ثم تبوأه موقع المسؤول العسكري الأول للجبهة الشعبية بعد حرب حزيران 1967 ، وتفرغه الكامل لبناء التنظيم في الداخل ، وتبوأه موقع نائب الأمين العام للجبهة عام 1972 ، وصولاً لتوليه موقع الأمين العام للجبهة في مؤتمرها الوطني السادس عام 2000م.
مسيرة طويلة حافلة بالتضحيات للقائد الرمز ، اتسمت بالنضال الدؤوب لتحقيق الهدف المركزي للجبهة الشعبية وللثورة الفلسطينية ،سواءً من خلال قيادته للعمل في الداخل ، أو من خلال قيادته للعمل العسكري في الأغوار وتوجيه الضربات النوعية للعدو في الضفة الغربية وقطاع غزة .
وعندما نستحضر مواقفه في مختلف محطّات الثورة، لا نملك سوى أن نؤكّد على راهنيتها لسببٍ رئيسي: هو التزامه الاستراتيجيّ في إطار الجبهة الشعبيّة  بنهج تحرير كامل التراب الوطني الفلسطينيّ.

 

حقائق رئيسة في فكر أبو علي مصطفى السياسية
عشيّةَ توقيع اتّفاقيّات أوسلو، قال أبو علي مصطفى في خطابٍ له في مخيّم اليرموك في ذكرى النكبة ما يلي: منذ (45) عامًا كانت هناك حقائقُ ثلاث تتكرّس دومًا في مسار العمل الوطنيّ الفلسطينيّ، سواءً في تاريخ الثورة الفلسطينيّة المعاصرة أو ما قبله. 
هذهِ الحقائقُ الثلاثُ شدّد عليها في مرحلة أوسلو وما بعدها حتى لحظةِ استشهاده وهي:
أوّلًا: أنّه لا يمكن أن يكون تعايش مع العدوّ الصهيوني، ومشروعه الإمبرياليّ في أرض فلسطين، مهما كانت الصعوبات والظروف، التي ما تزال تحول دون التخلّص من هذا الكيان ومشروعه.
ثانيًا: إنّ التواصل الاستعماريّ منذ ما قبل 1948، وحتّى اليوم، ملخّصٌ في دور زعيمة الإمبرياليّة العالميّة " الولايات المتحدة "وارتباطها مع المشروع الصهيوني، في سياق جدلي لا فصل بينهما، ومن يريد أن يكون مناهضًا للمشروع الصهيونيّ، لا يستطيع إلا أن يكون مناهضاً للمشروع الإمبريالي، ومن يريد أن يكون عدواً للإمبرياليّة ومشاريعها في المنطقة عليه أن يكون صادقًا مع نفسه في عدائه للمشروع الصهيونيّ.
ثالثًا: إنّ الترابط بين الوطنيّ والقوميّ، وبين الخاصّ والعامّ ترابطٌ مصيريّ، فالخطرُ الذي يهدّد شعب فلسطين، هو خطرٌ يهدّدُ مستقبلَ الأمّة العربيّة، حاضرها ومستقبلها وجغرافيتها وثروتها، وكل ما يعنيها على صعيد التقدّم والحضارة، فلا فكاك بين الترابط بين الوطنيّ والقوميّ في معركة المصير.

راهنية هذه الحقاق
هذهِ الحقائقُ الثلاثُ تظلُّ راهنة، ولا يمكن دحضها من قبل فريق أوسلو، فالقيادةُ المتنفّذة في المنظمة وأدواتها، سعت إلى دحض الحقيقة الأولى وإضعافها عبر إشاعة الوعي الزائف بثقافة السلام، حيث جاءت وقائع الحياة العنيدة وقانون المقاومة، لتكشفَ بؤس الرهان على خيار التسوية الأوسلوي ، الذي مكّن العدوّ من التمدّد في الضفة بما يزيد عن 400 مستوطنةٍ وبؤرةٍ استيطانيّة، ومن قطع شوطٍ طويلٍ في تهويد القدس على الصعيدين الديمغرافي والاستيطاني، وإقامة دولةٍ للمستوطنين يفوق عدد المقيمين فيها 850 ألف مستوطن، نصفهم في الضفّة والنصف الآخر في القدس.
أمّا الحقيقةُ الثانيةُ حول العلاقة العضويّة بين الإمبرياليّة والصهيونيّة فهما حقيقتانِ موضوعيّتانِ تؤكّدهما حقائق الواقع المعاش وحقائق الماضي، عندما شكلت الإمبريالية البريطانية حاضنةً لإقامة الكيان الصهيوني، لتليها الولايات المتحدة في احتضانها المشروعَ الصهيونيّ، اعتبارًا من مؤتمر بلتيمور الصهيوني عام 1942، الذي نقلت فيه العصابات الصهيونية تحالفها الرئيسي من الإمبريالية البريطانية إلى الإمبريالية الأمريكية.
أمّا الحقيقةُ الثالثةُ المناهضةُ للطرح الإقليمي للقيادة المتنفذة ولليمين الفلسطيني، فتؤكّدها حقيقةُ قضيّة فلسطين بأنّها قضيّةٌ عربيّة، وأنّ الشعب الفلسطيني جزءٌ لا يتجزّأ من الأمّة العربيّة، وأنّ المشروع الصهيوني لا يستهدف فلسطين فحسب، بل الوطن العربي بأكمله، وهذا ما أكّدته بوضوحٍ وثائقُ مؤتمر "كامبل بانرمان" عام 1907 بين مجموع الدول الاستعمارية.

عناوين مركزية في تجربة ودور أبو علي مصطفى 
من يقرأ تجربة القائد أبو علي مصطفى، منذ دوره المركزي في تأسيس الجبهة الشعبية وشغله موقع نائب الأمين العام ثم الأمين العام للجبهة ، يصل إلى العناوين والاستخلاصات التالية:
أولاً : أنه كان رائداً من رواد الوحدة الوطنية، وكان رافعة أساسية من روافعها، وكانت تجربته في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مثالاً يحتذى، في الحرص على الوحدة على قاعدة الالتزام بالثوابت الوطنية، فهو رغم التزامه بمبدأ الجبهة الشهير "وحدة – نقد – وحدة" إلا أنه كان يتصدى بقوة لأية ممارسات ذات طابع انحرافي أو انتهازي.
ثانياً: وفي إطار التزامه بالنهج الأيديولوجي، التزم بشكل صارم بالأدبيات التنظيمية ال لينين ية الخاصة بالحياة الداخلية للجبهة، بعد ربطها أيضاً بالواقع الفلسطيني ببعديه الوطني والطبقي، فهو بالإضافة لالتزامه بمبدئي القيادة الجماعية والنقد والنقد الذاتي، التزم بشكل صارم بمبدأ المركزية الديمقراطية، في تنفيذ المهمات النضالية والسياسية بعد بلورة الموقف السياسي في إطار ديمقراطي ، وكان أشد المحاربين للشللية التنظيمية والانتهازية في العمل الحزبي الوطني ، وتعامل مع كافة رفاقة على قدم المساوة سواء كانوا متفقين أو مختلفين معه في القضايا التكتيكية.
ثالثا : رفضه الحاسم والجازم لاتفاقيّات أوسلو وما تركته من آثارٍ سلبيّةٍ وخطيرةٍ على القضيّة وعلى الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة، وتأكيده الدائم على التناقض الرئيسي مع العدوّ الصهيوني، مشيرًا إلى أنّ طبيعةَ هذا التناقض حقيقةٌ موضوعيّةٌ لم تخترعها الجبهةُ الشعبيّةُ أو تعيد اكتشافها؛ لأنّ التناقض قائمٌ من طبيعة العدوّ نفسه، من ترسانته الحربيّة الهائلة التي يعزّزها باستمرار، ومن أطماعه في المنطقة التي لا يحاول إخفاءها، وأن هذا التناقض لا ينتهي إلا بتحرير فلسطين ،وإنهاء وجود الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين.
رابعاً: وفي السياق النظري الفكري، من حيث الالتزام والاسترشاد بالماركسية اللينينية ، فقد تمكن أبو علي مصطفى من قطع شوط كبير في هضم النظرية، وتطبيقها على واقع القضية الفلسطينية بعيداً عن الفذلكات النظرية التي امتاز بها البعض ، وبعيداً عن الجمل الثورية ، وكان له أسلوبه الخاص في طرح القضايا النظرية، على الواقع الوطني والقومي ، ومؤكداً على الدوام على ضرورة الربط الجدلي بين الخاص الوطني والعام القومي.
وأخيراً يفتقد الشعب الفلسطيني هذا القائد الوطني والقومي والأممي في هذه المرحلة من تاريخ النضال الفلسطيني ، مرحلة طوفان الأقصى ، ، التي ترجمت بشكل دقيق قناعة أبو علي مصطفى ، وإستراتيجية الجبهة الشعبية التي أكدت دائماً على تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني ، وأن الوحدة الوطنية المستندة إلى برنامج المقاومة ، شرط أساسي لإنجاز عملية التحرير.